القانون لا يحمي المغفلين!!



 
كثيراً ما نسمع عبارة القانون لا يحمي المغفلين, ان هذه العبارة تثير جموعة من التساؤولات مثل من هو المغفل؟ وهل فعلاً القانون لا يحمي المغفلين؟ وما مدى انطباق هذه العبارة في القانون العراقي؟ وفي الاساس هل من الممكن ان تشكل هذه العبارة اساساً قانونياً للتشريعات؟ سنحاول في هذه المقالة الاجابة عن الاسئلة وتصحيح المعلومات المغلوطة. 

اصل العبارة

يعود اصل العبارة الى الولايات المتحدة الاميركية, عندما اراد احد الفقراء ان يصبح غنياً فقام بنشر اعلان مفاده ان من يريد ان يصبح غنياً فعليه بارسال دولار الى العنوان (___) وبالفعل قام الناس بارسال المبلغ الى العنوان المذكور وبالتالي اصبح الفقير صاحب الاعلان غنياً, وعندما علم الناس بهذه الخدعة رفعوا دعاوى عليه وطالبوا بالتعويض, فجاء رد القضاء بان القانون لا يحمي المغفلين*.

فمن هو المغفل؟ لغةً, هو اسم مفعول من غَفَلَ ومعناه الشخص قليل الفطنة الذي تسهل مخادعته اي الجاهل قليل الخبرة*. اما في الاصطلاح معناه ان يغبن الشخص بسهولة كبيرة في المعاملات او في الالتزامات التي يكون طرفاً فيها, دون ان يعلم بحيث تزداد التزاماته على حساب حقوقه ويكون ذلك بسبب نيته الطيبة وسذاجته*.

هل من الممكن ان تشكل هذه العبارة اساساً قانونياً للتشريعات؟ للاجابة على هذا التساؤل فان جانباً من الفقه ميَز بين الدول اللاتينية والدول الانكلوسكسونية فقالوا بأن هذه المقولة يمكن ان تشكل اساساً قانونياً للدول الانكلوسكسونية على اعتبار ان هذه الدول تأخذ بنظام السوابق القضائية كقاعدة عامة, ومادامت هذه العبارة قيلت بمناسبة سابقة قضائية فانها تشكل اساساً للتشريعات عندهم, اما الدول اللاتينية فعلى العكس, حيث انها لا تأخذ بنظام السوابق القضائية كقاعدة عامة وبالتالي لا يمكن ان تشكل اساساً قانونياً عند تلك الدول*

في حقيقة الامر, لا يمكن الاخذ بهذا الرأي, على اعتبار ان الاخذ بهذه المقولة كقاعدة للتشريعات هو امر متروك لسياسة المشرع, في الوقت الحالي فان غالبية الدول تعمل على حماية المغفل, على اعتبار ان القانون وجد لحماية الكافة.

هل تطبق هذه العبارة في العراق او هل من الممكن ان تشكل هذه العبارة اساساً قانوناً للتشريعات التي تصدر في العراق؟

كما قلنا في الفقرة السابقة فان هذه العبارة لا يمكن ان تشكل اساساً قانونياً في دول مثل العراق على اعتبار ان نظام العراق لاتيني ولا يأخذ بالسوابق القضائية كقاعدة عامة, زد على ذلك ان توجه المشرع العراقي يقوم على حماية المغفل, حيث ذكر في المادة ١١٠ من ق.م.ع (ذو الغفلة حكمه حكم السفيه). لكن ما هي الاحكام التي اقرها القانون للسفيه والتي بدورها ستطبق على ذي الغفة؟

١- ان السفيه غير محجور لذاته, بمعنى يجب ان يصدر حكم قضائي بات يقضي بحجره*, فلا يكفي ان يشاع بين الناس ان فلان ذي غفلة, او فقط القول بأن فلان ذي غفلة, فيجب ان يصدر حكم قضائي بات من محكمة الاحوال الشخصية يقضي بالحجر على السفيه.

٢- اذا ما وقع الحجر على السفيه, فانه في المعاملات يعامل معاملة الصغير المميز*, معنى ذلك ان تصرفاته النافعة نفعاً محضاً تعتبر صحيحة, والتصرفات الضارة ضرراً محضاً تعتبر باطلة, والتصرفات الدائرة ببين النفع والضرر تكون موقوفة على اجازة الولي او الوصي الذي تعينه المحكمة.

٣- المحكمة هي ولي السفيه او الوصي الذي تعينه لذلك, معنى هذا ان ليس لاب وجد السفيه او وصيهما اي حق في الولاية عليه*.

يثار تساؤل عن ما حكم تصرفات السفيه قبل ايقاع الحجر عليه؟

اجابت عن ذلك المادة ١٠٩ من القانون المدني العراقي, حيث ذكرت بان تصرفاته قبل الحجر تعتبر جميعها صحيحة, الا اذا تبين للمحكمة ان هناك تصرفات قد وقعت بسبب غش او تواطؤ مع الشخص الذي تصرف معه السفيه توقعاً للحجر. بمعنى اخر, اذا ما تعامل (س) مع (ص السفيه) وكان قصدهما القيام بالتصرف قبل الحكم بالحجر لتوقعهما ان الحجر سيقع على السفيه، فيقومان بالتصرف بقصد تهريب السفيه لامواله او استغلالا من (س) ل(ص)، فأن تصرفهما يعتبر واقعا ضمن الحجر بالرغم من ان المحكمة لم تحكم بعد بالحجر.

كما ذكرت المادة اعلاه ان السفيه يستطيع ان يوصي بثلث التركة وتكون وصيته صحيحة وفقاً للقانون, والسبب في ذلك يعود الى ان تصرفه هذا وان كان يعتبر ضاراً فان السفيه سيتوفاه الله وسيترك امواله وبالتالي لن يتضرر من انتقاص ذمته المالية.

ويفك الحجر عن السفيه اذا ما اكتسب رشداً اي ان الحجر لا يكون طول فترة حياته .

ان الاحكام التي ذكرت اعلاه, جميعها تطبق على ذي الغفلة وفقاً للمادة ١١٠ من القانون المدني العراقي, وبالتالي فالقول بان القانون لا يحمي المغفلين في العراق هي مقولة عارية عن الصحة لسببين بسيطين, الاول هو ان هذه المقولة قد قيلت بمناسبة سابقة قضائية عرضت في الولايات المتحدة الاميركية وكما هو معروف فان هذه الدول تأخذ بنظام السوابق القضائية وبالتالي امكانية تطبيقها في تلك الدول وليس في العراق, والثاني هو ان المشرع قد نص صراحة على حماية ذي الغفلة في القانون المدني العراقي.

تشابه هذه المقولة مع مقولة الجهل في القانون لا يعد عذراً

من المبادئ المعروفة في القانون هو ان الجهل في القانون لا يعد عذراً, اي ان الشخص عندما يمثل امام القضاء لا يستطيع ان يدعي بانه لم يكن يعلم بوجود القاعدة القانونية او انه لم يكن يعلم بان هذا الفعل يجرمه القانون, والسبب في ذلك ان السلطات العامة تقوم بنشر القاعدة القانونية ويكون من واجب العامة الاطلاع عليها ومعرفة فحواها, والسبب الثاني هو انه اذا قبلنا بادعاء كل شخص بانه لم يكن يعلم بوجود هذه القاعدة او هذه العقوبة سنفتح باباً يجعل الجميع يدعي بعدم علمه, ونتيجة لذلك تم تأكيد هذا المبدأ١.

وبالتالي فأن من غفل عن وجود القاعدة القانونية ليس كذي الغفلة, فالاول لا يعلم بالقاعدة القانونية بسبب تقصيره والثاني يكون ساذج وحسن النية.

الهوامش:

١- على الرغم من اننا لا نؤيد كثيراً هذا المبدأ في الوقت الحالي, بسبب وجود قصور في نشر القاعدة القانونية والتوعية بها, فاننا الان في عصر الانترنت والتطور التقني والتكنولوجي, وبالتالي فان قيام السلطات بنشر القاعدة القانونية فقط في الجريدة الرسمية لا يعد كافياً, بل لابد من اتباع وسائل اكثر تطوراً وتماشياً مع التقنية, مثل نشر القاعدة القانونية على مواقع التواصل الاجتماعي الرسمية للسلطة التشريعية, كذلك نشر الثقافة القانونية بين المواطنين عن طريق عمل الورشات والندوات من قبل المختصين, بالاضافة الى التعريف بالقواعد القانونية وجعلها مادة تدرس في المدارس والجامعات لتخريج جيل جديد يعرف بحقوقه وواجباته. كل هذه الامور اذا تمت نستطيع القول حينها بان الجهل في القانون لا يعد عذراً.

المصادر والمراجع:

- معجم المعاني الجامع

- https://alsabaah.iq/70977-.html 

- https://alsabaah.iq/46644-.html 

- https://asjp.cerist.dz/en/downArticle/434/5/1/110909 

القوانين:

- القانون الدني العراقي, المواد ٩٥, ١١٠, ١٠٩

أحدث أقدم